فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو السعود:

{يُبَشّرُهُمْ} وقرئ بالتخفيف {رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ} عظيمة {مّنْهُ ورضوان} كبير {وجنات} عاليةٍ {لَّهُمْ فِيهَا} في تلك الجنات {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} نِعمٌ لا نفادَ لها، وفي التعُّرض لعنوان الربوبيةِ تأكيدٌ للمبشَّر به وتربيةٌ له. اهـ.

.قال الألوسي:

{يُبَشِّرهُم رَّبُّهُمْ} أي في الدنيا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
وقرأ حمزة {يُبَشّرُهُمْ} بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين والتخفيف على أنه من بشر الثلاثي وأخرجها أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم وكونه سبحانه هو المبشر ما لا يخفى من اللطافة واللطف {بِرَحْمَةٍ مّنْهُ} واسعة {وَرِضْوَانٍ} كبير {وجنات} عالية قطوفها دانية {لَّهُمْ فِيهَا} أي الجنات وقيل: الرحمة {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} لا يرتحل ولا يسافر عنهم، وهو استعارة للدائم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ}
بيان للدرجة العظيمة التي في قوله: {أعظم درجة عند الله} [التوبة: 20] فتلك الدرجة هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرّة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم.
ومجموع هذه الأمور لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة، الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه المزايا فهم لم ينالوا جميعها.
والتبشير: الإخبار بخير يحصل للمخبَر لم يكن عالمًا به.
فإسناد التبشير إلى اسم الجلالة بصيغة المضارع، المفيد للتجدّد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدّد إدخال السرور بذلك لهم، لأنّ تجدّد التبشير يؤذن بأن المبشّر به شيء لم يكن معلومًا للمبشَّر (بفتح الشين) وإلاّ لكان الإخبار به تحصيلًا للحاصل.
وكون المسند إليه لفظ الربّ، دون غيره ممّا يدلّ على الخالق سبحانه، إيماء إلى الرحمة بهم والعناية: لأنّ معنى الربوبية يَرجع إلى تدبير المربوب والرفق به واللطف به، ولتحصل به الإضافة إلى ضميرهم إضافة تشريف.
وتقدّمت الرحمة في قوله: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1].
والرضوان بكسر الراء وبضمها: الرضا الكامل الشديد، لأنّ هذه الصيغة تشعر بالمبالغة مثل الغُفران والشُكران والعِصيان.
والجنّات تقدّم الكلام عليها في ذكر الجنة في سورة البقرة، وجمعها باعتبار مراتبها وأنواعها وأنواععِ النعيم فيها.
والنعيم: ما به التذاذ النفس باللذات المحسوسة، وهو أخصّ من النِعمة، قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} [الإنفطار: 13] وقال: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8].
والمقيم المستمرّ، استعيرت الإقامة للدوام والاستمرار.
والتنكير في {برحمة}، {ورضوان}، {وجنات}، {ونعيم} للتعظيم، بقرينة المقام، وقرينة قوله: {منه} وقرينة كون تلك مبشرًّا بها. اهـ.

.قال الشعراوي:

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)}
إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم. والبشارة- كما نعلم- هي نوع من الإعلام بشيء سوف يأتي مستقبلًا، أي، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشيء قادم يسره.
إذن ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها.
ولذلك فقد قلنا: إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب؛ كقولك: إن تذاكر تنجح، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو النجاح، ونقول: لا، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعا. والجواب سبب في وجود الشرط دافعا، أي: أن الدافع لمذاكرتك هو ما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية. وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع. بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك. ولهذا نقول: إن السبب هو الذي يوجد أولًا في الذهن.
ومثال آخر: لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف. فتكون الطائف هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد دافعا، والشرط يوجد واقعًا. وقوله تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم} أي: يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم بها المنهج؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره، ولأن التشريع الإلهي تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في افعل ولا تفعل.
ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيه بما قضى الله به. فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين الجزائين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهي في الآخرة. والمثال الذي أضر به دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره.
أما الذي قيد حركته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو. وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره.
إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، كل منهما أخذ لونًا من المتعة. ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جدًا، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح.
كذلك أنت في الدنيا؛ إن قيدت نفسك بالتكاليف افعل ولا تفعل، فظاهر الأمر أنك قَيَّدْتَ حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئنانا ومتعة في النفس. ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم على الأقل؛ هذه الصلاة في ظاهرها أنها تأخذ بعضا من الوقت كل يوم، ولكنها تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعا يفوق التصور إن خشع فيها الإنسان وأداها بحقها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «يا بلالُ أرِحْنَا بالصلاة».
كما قال صلى الله عليه وسلم ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه: «وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة».
لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم}، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو المالك؛ والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك.
{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21].
والرحمة والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء.
ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: {وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 21].
ونجد أن هذا ترقٍّ وتدرجٌّ في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولًا بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ونضرب لذلك مثلا- ولله المثل الأعلى- إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لابد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين. فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهمتام؛ فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات.
وهكذا نرى أن هناك اختلافًا في التكريم. والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان؛ يعيشون دائما مع النعمة والمنعم، فإذا جاء الطعام قالوا: بسم الله، وإذا أكلوا قالوا: الحمد لله، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة؛ يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية.
ولذلك: «فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل»؛ ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه؛ لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت؛ وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
وقال أحد الصالحين: إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، لأن الجنة أحد.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ} وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف الرضوان إلى الرحمة، ولذلك يقول الحق عز وجل: {بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} والرضوان هو ما فوق النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى: {وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}.
ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟ ولماذا ذكرت النعيم؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان.
ونقول لمثل هذا القائل: انتبه والتفت جيدا إلى المعنى، فالمتحدث هو الله سبحانه وتعالى. وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله؛ لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه {نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمنًا طويلًا ثم تنتهي، وشاء الله- عز وجل- أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول سبحانه وتعالى: {خالدين فِيهَا أَبَدًا إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ...}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
وقد تقدَّم اختلاف القراء في: {يُبَشِّرهُم} وتوجيه ذلك في آل عمران وكذلك في الخلاف في {وَرِضْوَانٌ} [آل عمران: 15].
وقرأ الأعمش {رضُوان} بضمِّ الراء والضَّاد، وردَّها أبُو حاتم، وقال: لا يجوز.
وهذا غيرُ لازم للأعمش فإنه رواها، وقد وُجِد ذلك في لسان العرب، قالوا: السُّلُطان بضم السين واللام.
قوله: {لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ} يجوز أن تكون هذه الجملةُ صفةً لـ {جَنَّاتٍ} وأنْ تكون صفةً لرَحْمَة؛ لأنَّهم جَوَّزُوا في هذه الهاء أن تعود للرَّحمة، وأنْ تعود للجنات، وجوَّز مكي أن تعود على البشرى المفهومة من قوله: {يُبَشِّرهُمْ}، كأنَّه قيل: لهم في تلك البشرى.
وعلى هذا فتكونُ الجملةُ صفةً لذلك المصدرِ المقدَّرِ إن قدَّرْتَه نكرةً، وحالًا إن قدَّرْتَه معرفةً.
ويجوزُ أن يكون {نعيمٌ} فاعلًا بالجارِّ قبله، وهو أولى، لأنَّه يصير من قبيل الوصف بالمفرد، ويجوزُ أن يكون مبتدأ، وخبره الجار قبله، وقد تقدَّم تحقيق ذلك مرارًا [الأنفال: 72]. اهـ.